الشيخ عبد الغني النابلسي
230
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
القيوم في الماء على كل ما خلق منه فهو ، أي الماء باعتبار ذلك أصل العناصر ، أي الأصول والأركان الأربعة التي هي الماء والتراب والهواء والنار ولذلك ، أي لكون الماء أصلا جعل اللّه تعالى من الماء كلّ شئ حىّ كما قال تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] وما ثم بالفتح ، أي هناك شيء محسوس أو معقول أو موهوم إلا وهو حي بحياة تناسبه مستفادة من حياة اللّه تعالى لقيوميتها عليه فإنه ، أي الشأن ما من شيء مطلقا إلا وهو يسبح بحمد اللّه تعالى ، أي ينزهه تعالى عما لا يليق به مما يدرى ذلك الشيء بنطق عربي لا بلسان حال . قال اللّه تعالى الذي أنطق كل شيء ولكن لا يفقه بالبناء للمفعول تسبيحه ، أي تسبيح ذلك الشيء إلا بكشف إلهي لمن يشاء اللّه تعالى من عباده . قال تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( 44 ) [ الأسراء : 44 ] . ولا يسبح بحمد اللّه تعالى إلا حي إذ الميت لا ينسب إليه علم ولا حركة ، فلا ينسب إليه تسبيح على أنه لا ميت أصلا بالمعنى الذي عند الغافلين الجاهلين ، والموت صفة من صفات الشيء لا ينافي الحياة فيه كالعقود والكلام فكل شيء حي بحياة تناسبه كما ذكرنا فكل شيء الماء أصله ، أي منشؤه منه ألا ترى يا أيها السالك العرش العظيم كيف كان على الماء كما قال تعالى : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ هود : 7 ] ، لأنه ، أي العرش منه ، أي من الماء تكوّن ، أي أنشىء وخلق فطفا ، أي علا ذلك العرش عليه ، أي على الماء فهو ، أي الماء الذي هو أصله يحفظه ، أي يحفظ العرش من تحته ، أي من تحت العرش بقوّة سريان الحياة الإلهية فيه كما أن الإنسان خلقه اللّه تعالى عبدا ذليلا من حقه أن يكون قائما بمولاه تعالى في جميع أحواله متحركا ساكنا بأمره كالملائكة الذين هم بأمره يعملون فتكبر ذلك العبد على ربه الذي هو خالقه ومنشيه وعلا ، أي ارتفع عليه سبحانه بالغفلة عنه والغرور فيه ودعوى الاستقلال بنفسه في جميع شؤونه الظاهرة والباطنة دون الحق تعالى فهو ، أي اللّه سبحانه مع هذا ، أي كونه خالقا له يحفظه ، أي يحفظ ذلك العبد من تحته بالنظر إلى علو ، أي ارتفاع هذا العبد الجاهل باللّه تعالى بنفسه فيدعي ما ليس له من الحول والقوّة ، وليست هذه التحتية للّه تعالى بالنظر إليه تعالى لأنه تعالى موجود ولا شيء معه ، وكذلك الفوقية له سبحانه كما قال تعالى : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [ النحل : 50 ] ، فهي أيضا بالنظر إلى انخفاض العبد العارف باللّه تعالى بنفسه ، فلا يدعي مع اللّه تعالى حولا ولا قوّة ، فهو تعالى فوق العارفين به وتحت الجاهلين الغافلين .